فخر الدين الرازي
236
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) * زعم جمهور أصحابنا أن نعيم الجنة تفضل محض لا أنه مستحق بالعمل ، وهذا أيضاً قول الكعبي من المعتزلة ، واحتجوا على صحة هذا المذهب بهذه الآية ، أجاب القاضي عنه فقال : هذا إنما يلزم لو امتنع بين كون الجنة مستحقة وبين كونها فضلاً من الله تعالى ، فأما إذا صح اجتماع الصفتين فلا يصح هذا الاستدلال ، وإنما قلنا : إنه لا منافاة بين هذين الوصفين ، لأنه تعالى هو المتفضل بالأمور التي يتمكن المكلف معها من كسب هذا الاستحقاق ، فلما كان تعالى متفضلاً بما يكسب أسباب هذا الاستحقاق كان متفضلاً بها ، قال : ولما ثبت أن قوله : * ( يؤتيه من يشاء ) * لا بد وأن يكون مشروطاً بما يستحقه ، ولولا ذلك لم يكن لقوله من قبل : * ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) * معنى . واعلم أن هذا ضعيف لأن كونه تعالى متفضلاً بأسباب ذلك الكسب لا يوجب كونه تعالى متفضلاً بنفس الجنة ، فإن من وهب من إنسان كاغداً ودواة وقلماً ، ثم إن ذلك الإنسان كتب بذلك المداد على ذلك الكاغد مصحفاً وباعه من الواهب ، لا يقال : إن أداء ذلك الثمن تفضيل ، بل يقال : إنه مستحق ، فكذا ههنا ، وأما قوله أولاً إنه لا بد من الاستحقاق ، وإلا لم يكن لقوله من قبل : * ( سابقوا إلى مغفرة ) * معنى ، فجوابه أن هذا الاستدلال عجيب ، لأن للمتفضل أن يشرط في تفضله أي شرط شاء ، ويقول : لا أتفضل إلا مع هذا الشرط . ثم قال تعالى : * ( والله ذو الفضل العظيم ) * والمراد منه التنبيه على عظم حال الجنة ، وذلك لأن ذا الفضل العظيم إذا أعطى عطاء مدح به نفسه وأثنى بسببه على نفسه ، فإنه لا بد وأن يكون ذلك العطاء عظيماً . * ( مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الاَْرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) * . قال الزجاج : إنه تعالى لما قال : * ( سابقوا إلى مغفرة ) * ( الحديد : 21 ) بين أن المؤدي إلى الجنة والنار لا يكون إلا بقضاء وقدر ، فقال : * ( ما أصاب من مصيبة ) * والمعنى لا توجد مصيبة من هذه المصائب إلا وهي مكتوبة عند الله ، والمصيبة في الأرض هي قحط المطر ، وقلة النبات ، ونقص الثمار ، وغلاء الأسعار ، وتتابع الجوع ، والمصيبة في الأنفس فيها قولان : الأول : أنها هي : الأمراض ، والفقر ، وذهاب الأولاد ، وإقامة الحدود عليها والثاني : أنها تتناول الخير